فصل: 1596- باب ما جَاءَ فِي صِفَةِ أَهْل الْجَنّة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي للمباركفوري ***


38- كتاب صفة الجنة

1590- باب ما جاء في صِفةِ شجر الجَنّة

2576- حَدّثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا الّليثُ، عن سعِيدٍ بنِ أَبي سَعِيدٍ الغدريّ عن أَبيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قَالَ‏:‏ ‏"‏إِنّ فِي الْجَنّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرّاكِبُ في ظّلّهَا مِائَةَ سنة‏"‏‏.‏

وفي البابِ عن أَنَسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ‏.‏ قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ صحيحٌ‏.‏

2577- حدّثنا عَبّاسُ بنُ مُحمّدٍ الدّورِيّ حدثنَا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى عن شَيْبَانَ عن فِرَاسٍ عن عَطِيَةَ عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏في الجَنّةِ شَجَرَةُ يَسِيرُ الرّاكِبُ فِي ظِلّهَا مَائَةَ عَامٍ لاَ يَقْطَعُهَا وقَالَ‏:‏ ذلِكَ الظّلّ المَمْدُودُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديث حسن غريب من حديث أَبي سعيد‏.‏

2578- حدّثنا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجّ، أخبرنا زِيَادُ بنُ الْحَسَنِ بنُ الفُرَاتِ القَزّازُ، عَنْ أَبِيهِ، عن جَدّهِ عن أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَا فِي الْجَنّةِ شَجَرَةٌ إِلاّ وَسَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من حديث أَبي سعيد‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏عن فراس‏)‏ بكسر أوله وبمهملة ابن يحيى الهماني الخارقي أبي يحيى الكوفي المكتب، صدوق ربما وهم من السادسة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في الجنة شجرة‏)‏ قال ابن الجوزي‏:‏ يقال إنها طوبى قال الحافظ‏:‏ وشاهد ذلك في حديث عتبة بن عبد السلمي عند أحمد والطبراني وابن حبان فهذا هو المعتمد خلافاً لمن قال‏:‏ إنما نكرت للتنبيه على اختلاف جنسها بحسب شهوات أهل الجنة ‏(‏يسير الراكب‏)‏ أي راكب فرض‏.‏ ومنهم من حمله على الوسط المعتدل ‏(‏في ظلها‏)‏ أي في نعيها وراحتها، ومنه قولهم‏:‏ أنا في ظلك أي في ناحيتك قال القرطبي والمحوج إلى هذا التأويل أن الظل في عرف أهل الدنيا ما يقي من حر الشمس وأذاها وليس في الجنة شمس ولا أذى ‏(‏مائة عام لا يقطعها‏)‏ أي لا ينتهي إلى آخر ما يميل من أغصانها ‏(‏قال وذلك الظل الممدود‏)‏ وفي حديث أبي هريرة عند البخاري واقرأوا إن شئتم ‏(‏وظل ممدود‏)‏ وحديث أبي سعيد هذا أخرجه الشيخان بلفظ‏:‏ إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ما يقطعها‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏عن سعيد بن أبي سعد‏)‏ المقبري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يسير الراكب في ظلها‏)‏ قال النووي في شرح مسلم‏:‏ قال العلماء المراد بظلها كنفها وذراها وهوما يستر أغصانها انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أنس وأبي سعيد‏)‏ أما حديث أنس فأخرجه الترمذي في تفسير سورة الواقعة، وأما حديث أبي سعيد فأخرجه ابن حبان في صحيحه عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال له رجل يا رسول الله‏:‏ ما طوبى‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏شجرة مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها‏:‏‏"‏ كذا في الترغيب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان وابن ماجه‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا زياد بن الحسن بن الفرات القزاز‏)‏ التميمي الكوفي صدوق يخطئ من التاسعة ‏(‏عن أبيه‏)‏ أي الحسن بن الفرات بن أبي عبد الرحمن التميمي القزاز الكوفي، صدوق بهم من السابعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب‏)‏ وروى أبو نعيم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن في الجنة شجرة جذوعها من ذهب وفروعها من زبرجد ولؤلؤ، فتهب الرياح فتصطفق فما سمع السامعون بصوت شيء قط ألذ منه‏.‏ وروى ابن أبي الدنيا عن ابن عباس رضي الله عنه موقوفاً بإسناد جيد قال‏:‏ نخل الجنة جذوعها من زمرد أخضر وكربها ذهب أحمر وسعفها كسوة لأهل الجنة منها مقطعاتهم وحللهم وثمرها أمثال القلال والدلاء، أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد ليس فيها عجم‏.‏ ورواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ذكر الحافظ المنذري هاتين الروايتين في الترغيب وقال الكرب بفتح الكاف والراء بعدهما باء موحدة، هو أصول السعف الغلاظ العراض انتهى‏.‏ وروى ابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا في صفة الجنة عن ابن عباس قال‏:‏ الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق قدر ما يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام من كل نواحيها، فيخرج أهل الجنة يتحدثون في ظلها فيشتهي بعضهم اللهو، فيرسل الله ريحاً فيحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا‏.‏ ذكره الحافظ في الفتح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب حسن‏)‏ وأخرجه بن أبي الدنيا وابن حبان في صحيحه‏.‏

1591- باب مَا جَاءَ في صِفَةِ الْجَنةِ وَنَعِيمِهَا

2579- حَدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حدثنا مُحمّدُ بنُ فَضِيلٍ عَنْ حَمْزَةَ الزّيّاتِ عَنْ زِيَادٍ الطائِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ‏:‏ ‏"‏قُلْنَا يَا رَسُولَ الله‏:‏ مَالَنَا إِذَا كُنّا عِنْدَكَ رَقّتْ قُلُوبُنَا، وَزَهَدْنَا في الدّنيا وَكُنّا مِنْ أَهْلِ الاَخِرَةِ، فَإِذَا خْرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ فَأَنَسْنَا أَهَالِينَا وَشَمَمْنَا الأَوْلاَدَ أَنْكَرْنَا أَنْفُسَنَا‏؟‏ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لَوْ أَنّكُمْ تَكُونُونَ إِذَا خَرَجْتُمْ مِنْ عِنْدِي كُنْتُمْ عَلَى حَالِكُمْ ذَلِكَ لَزَارَتْكُمْ المَلاَئِكَةُ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَوْ لَمْ تَذْنِبُوا لْجَاءَ الله بِخَلْقٍ جديدٍ كَيّ يَذْنِبُوا فَيَغْفِرَ لَهُمْ‏.‏ قَالَ قلت‏:‏ يَا رسولَ الله مِمّ خُلِقَ الْخُلْقُ‏؟‏ قالَ‏:‏ مِنَ المَاءِ‏.‏ قُلْنا الْجَنّةُ مَا بِنَاؤُهَا‏؟‏ قَالَ‏:‏ ‏"‏لَبِنَةٌ مِنْ فِضّةٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَمِلاَطُهَا المِسْكُ الأَذْفَرُ وَحَصْبَاؤُهَا الّلؤْلُؤُ وَاليَاقُوتُ وَتُرْبَتُهَا الزّعْفَرَانُ مَنْ يَدْخُلْهَا يَنْعَمْ لاَ يَبْأَسْ، وَيَخْلُدْ لاَ يَمُوتُ‏:‏ وَلاَ تَبْلَى ثِيَابُهُمْ وَلاَ يَفْنَى شَبَابَهُمْ‏.‏ ثُمّ قَالَ‏:‏ ثَلاَثٌ لاَ تُرَدُ دَعْوَتُهُمْ‏:‏ الإِمَامُ العَادِلُ، وَالصّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، وَدَعْوَةُ المَظْلُومِ يَرْفَعُهَا فَوْقَ الغَمَامِ، وَتَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السّمَاءِ، وَيَقُولُ الرّبّ عز وجل‏:‏ وَعِزّتِي لأَنْصُرَتّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ الْقَوِيّ، وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي بِمُتّصِلٍ‏.‏ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ عن أَبي مُدَلَهٍ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏عن زياد الطائي‏)‏ مجهول أرسل عن أبي هريرة من السادسة، كذا في التقريب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وزهدنا‏)‏ قال في القاموس زهد فيه كمنع وسمع وكرم زهداً وزهادة أو هي في الدنيا الزهد في الدين ضد رغب انتهى ‏(‏فأنسنا أهالينا‏)‏ قال في القاموس الأنس بالضم وبالتحريك، والأنسة محركة ضد الوحشة، وقد أنس به مثلثة النون انتهى‏.‏ والمعنى خالطناهم وعالجنا أمورهم واشتغلنا بمصالحهم ‏(‏أنكرنا أنفسنا‏)‏ أي لم نجدها على ما كانت عندك ‏(‏لو أنكم تكونون إذا خرجتم من عندي كنتم على حالكم ذلك لزارتكم الملائكة في بيوتكم‏)‏‏.‏ كذا في نسخ الترمذي بزيادة لفظ كنتم بين من عندي وعلى حالكم ولا يستقيم معناه فتفكر‏.‏ وروى مسلم في صحيحه عن حنظلة بن الربيع الأسيدي نحو هذا الحديث وفيه لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طريقكم ‏(‏ولو لم تذنبوا لجاء الله بخلق جديد‏)‏ من جنسكم أو من غيركم‏.‏ وفي رواية مسلم‏:‏ لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ‏(‏كي يذنبوا‏)‏ أي فيستغفروا ‏(‏فيغفر لهم‏)‏ لاقتضاء صفة الغفار والغفور ذلك‏.‏ قال الطيبي‏:‏ ليس الحديث تسلية منهمكين في الذنوب كما يتوهمه أهل الغرة بالله، فإن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم إنما بعثوا ليردعوا الناس عن غشيان الذنوب، بل بيان لعفو الله تعالى وتجاوزه عن المذنبين ليرغبوا في التوبة‏.‏ والمعنى المراد من الحديث هو أن الله كما أحب أن يعطي المحسنين أحب أن يتجاوز عن المسينين وقد ل على ذلك غير واحد أسمائه الغفار الحليم التواب العفو، ولم يكن ليجعل العباد شأناً واحداً كالملائكة مجبولين على التنزه من الذنوب بل يخلق فيهم من يكون بطبعه ميالا إلى الهوى متلبساً بما يقتضيه ثم يكلفه التوقى عنه ويحذره من مداناته ويعرفه التوبة بعد الابتلاء، فإن وفي فأجره على الله، وإن أخطأ الطريق فالتوبة بين يديه، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم به أنكم لو كنتم مجبولين على ما جبلت عليه الملائكة لجاء الله بقوم تأتي منهم الذنب فيتجلى عليهم بتلك الصفات على مقتضى الحكمة، فإن الغفار يستدعى مغفوراً كما أن الرزاق يستدعى مرزرقاً، كذا في المرقاة ‏(‏مم خلق الخلق قال‏:‏ من الماء‏)‏ قيل أي من النطقة، والظاهر أن يكون اقتباساً من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلنا من الماء كل شيء حي‏}‏ أي وخلقنا من الماء كل حيوان لقوله سبحانه ‏{‏والله خلق كل دابة من ماء‏}‏ وذلك لأن الماء أعطم موارده أولفرط احتياحه إليه وانتفاعه بعينه ‏(‏قلت الجنة ما بناؤها‏)‏ أي هل من حجر ومدر أو خشب أو شعر ‏(‏قال‏:‏ لبنة من فضة ولبنة من ذهب‏)‏ أي يناؤها مرصع منهما ‏(‏وملاطها‏)‏ بكسر الميم أي ما بين اللبنتين موضع النورة في النهاية الملاط الطين الذي يجعل بين ساقني البناء يملط به الحائط أي يخلط ‏(‏المسك الأذفر‏)‏ أي الشديد الريح ‏(‏وحصباؤها‏)‏ أي حصباؤها الصغار التي في الأنهار قال القاري‏.‏ وقال صاحب أشعة اللمعات أي حصباؤها التي في الأنهار وغيرها‏.‏ قلت‏:‏ الظاهر هو العموم ‏(‏اللؤلؤ والياقوت‏)‏ أي مثلها في اللون والصفاء ‏(‏وتربتها‏)‏ أي مكان ترابها ‏(‏الزعفران‏)‏ أي الناعم الأصفر الطيب الريح فجمع بين الوان الزينة وهي البياض والحمرة والصفرة ويتكمل بالأشجار الملونة بالخضرة‏.‏ ولما كان السواد يغم الفؤاد خص بأهل النار ‏(‏من يدخلها ينعم لا ييأس‏)‏ بفتح وسطهما في القاموس البأس العذاب والشدة في الحرب بؤس ككرم بأساً وبئس كسمع اشتدت حاجته ‏(‏يخلد‏)‏ أي يدوم فلا يتحول عنها ‏(‏لا يموت‏)‏ أي لا يفنى بل دائماً يبقى ‏(‏ولا تبلى‏)‏ بفتح أوله من باب سمع يسمع أي لا نخلق ولا تنقطع ‏(‏ثيابهم‏)‏ وكذا أثاثهم ‏(‏ولا يفنى شبابهم‏)‏ أي لا يهرمون ولا يخرفون ولا يغيرهم مضي الزمان قال القاضي‏:‏ معناه أن الجنة دار الثبات والقرار وأن التغير لا يتطرق إليها فلا يشوب نعيمها بؤس ولا يعتريه فساد ولا تغيير، فإنها ليست دار الأضداد ومحل الكون والفساد ‏(‏ثلاث‏)‏ أي ثلاث نفوس في المشكاة والجامع الصغير ثلاثة بناء التأنيث، ثلاثة أشخاص أو ثلاثة رجال ‏(‏الإمام العادل‏)‏ أي منهم أو أحدهم الإمام العادل ‏(‏والصائم حين يفطر‏)‏ لأنه بعد عبادة، حال تضرع ومسكنة ‏(‏ودعوة المظلومية‏)‏ كان مقتضى الظاهر أن يقول والمظلوم، ولعله لما كانت المطلومية ليست بذاتها مطلوبة عدل عنه، قاله القاري‏.‏ وقال الطيبي‏:‏ أي دعوة الإمام ودعوة الصائم بدليل قوله ودعوة المظلوم ويكون بدلا من دعوتهم، وقرله يرفعها حال كذا قيل والأولى أن يكون أي يرفعها خبراً لقوله ودعوة المظلوم، وقطع هذا القسيم عن خرويه لشدة الاعتناء بشأن دعوة المظلوم، وقطع هذا القسيم عن خويه لشدة الاعتناء بشأن دعة المطلوم ولو فاجراً أو كافراً‏.‏ وينصر هذا الوجه عطف قوله ويقول الرب على قوله ويفتح، فإنه لا يلائم الوجه الأول لأن ضمير يرفعها للدعوة حينئذ لا لدعوة المظلوم كما في الوجه الأول‏.‏

قال القاري‏:‏ والظاهر أن الضمير على الوجهين لدعوة المظلوم وإنما بولغ في حقها لأنه لما ألحقه نار الظلم واحترقت أحشاءه خرج منه الدعاء بالتضرع والانكسار وحصل له حالة الاضطرار فيقل دعاءه كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أمن يجيب المضظر إذا دعاه ويكشف السوء‏}‏ ‏(‏يرفعها‏)‏ أي الله ‏(‏فوق الغمام‏)‏ أي تجاوز الغمام، أي السحاب ‏(‏ويفتح‏)‏ أي الله لها أي لدعوته ‏(‏لأنصرتك‏)‏ بفتح الكاف أي أيها المظلوم ويكسرها أي أيتها الدعوة ‏(‏ولو بعد حين‏)‏ الحين يستعمل لمطلق الوقت ولستة أشهر ولأربعين سنة‏.‏ والمعنى‏:‏ لا أضيع حقك ولا أرد دعاءك ولو مضى زمان طويل لأني حليم لا أعجل عقوبة العباد لعلهم يرجعون عن الظلم والذنوب إلى إرضاء الخصوم والتوبة، وفيه إيماء إلى أنه تعالى يمهل الظالم ولا يهمله‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث ليس إسناده بذلك القوي، وليس هو عندي بمتصل‏)‏ لأن في سنده زياد الطائي وهو مجهول، ومع هذا رواه عن أبي هريرة مرسلاً‏.‏

إعلم أن حديث أبي هريرة هذا مشتمل على أربعة أحاديث‏:‏ فالأول من قوله‏:‏ ما لنا إذا كنا عندك إلى قوله لزارتكم الملائكة في بيوتكم، وهذا أخرجه أحمد‏.‏ والثاني من قوله‏:‏ ولو لم تذنبوا إلى قوله فيغفر لهم‏.‏ وهذا أخرجه مسلم‏.‏ والثالث من قوله‏:‏ قلت يا رسول الله مم خلق الخلق إلى قوله ولا يفنى شبابهم، وهذا أخرجه أحمد والدارمي والبزار والطبراني في الأوسط، وابن حبان في صحيحه‏.‏ والرابع من قوله ثلاث لا ترد دعوتهم الخ، وهذا أخرجه أحمد وابن ماجه وأخرجه الترمذي أيضاً في الدعوات والمفهوم من كلام المنذري في صفة الجنة من كتاب الترغيب أن هذا الحديث بطوله عند أحمد والبزار والطبراني وابن حبان‏.‏

1592- باب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ غُرَفِ الْجَنّة

2580- حَدّثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، حدثنا عَلِيّ بنُ مُسْهِرٍ عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ إِسْحَاقَ عن النّعْمَانِ بنِ سَعْدٍ عن عَلِيٍ قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إِنّ فِي الْجَنّةِ لَغُرَفَاً يُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا، فَقَامَ إِلَيْهِ أَعْرَابِيٌ، فَقَالَ‏:‏ لِمَنْ هِيَ يَا نَبِيّ الله‏؟‏ قَالَ‏:‏ هِيَ لِمَنْ أَطَابَ الكَلاَمَ وَأَطْعَمَ الطّعَامَ وَأَدَامَ الصّيَامَ وَصَلّى للهبِالّليْلِ وَالنّاسُ نِيَامٌ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ غريبٌ‏.‏ وَقَدْ تَكَلّمَ بَعْضُ أَهْلِ العلم في عَبْدِ الرحمنِ بنِ إِسْحَاقَ هَذَا مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ، وَهُوَ كُوفِيٌ، وَعَبْدُ الرحمنِ بنُ إِسْحَاقَ القُرَشِيّ مدنيّ، وَهُوَ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا‏.‏

2581- حدّثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الصّمَدِ أَبو عبد الصمد العَمّيّ، عن أَبِي عِمرَانَ الْجَوْنِيّ، عن أَبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ الله بنِ قَيْسٍ، عن أَبِيهِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ‏:‏ ‏"‏إِنّ في الجَنّةِ جَنّتَيْنِ مِنْ فِصّةٍ آنَيْتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنّتَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ آنَيْتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ القَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبّهِمْ إِلاّ رِدَاءُ الكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنّةِ عَدْنٍ‏"‏ وَبِهَذَا الإِسْنَادِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏إِنّ فِي الْجَنّةِ لخيمةً مِنْ دُرّةٍ مُجَوّفَةٍ، عَرْضُهَا سِتّونَ مَيْلاً، فِي كُلّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ مَا يَرَوْنَ الاَخَرِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ المُؤْمِنُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ‏.‏ وَأَبُو عِمْرَانَ الْجَونِيّ اسْمُهُ عَبْدُ المَلِكِ بنُ حَبِيبٍ، وَأَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي مُوسَى‏.‏ قَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ‏:‏ لاَ يُعْرَفُ اسْمُهُ، وَأَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيّ اسْمُهُ عَبْدُ الله بنُ قَيْسٍ وَأَبو مَالك الاشْعري اسمه سعد بن طارق بن أَشيم‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏إن في الجنة لغرفاً‏)‏ بضم الغين المعجمة وفتح الراء كصرد جمع غرفة بالضم وهي العلية، وهي بالفارسية بالأخانة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏، تقدم هذا الحديث بسنده ومتنه في باب قول المعروف من أبواب البر والصلة وتقدم هناك شرحه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من قبل حفظه‏)‏ بكسر القاف وفتح الموحدة، أي من جهة حفظه ‏(‏وهو كوفي‏)‏ واسطي وقد تقدم ترجمته في باب قول المعروف ‏(‏وعبد الرحمن ابن إسحاق القرشي مدين وهو أثبت من هذا‏)‏ وقال أبو حاتم‏:‏ وهو أصلح من الواسطي‏.‏ وقال ابن سعد‏:‏ هو أثبت من الواسطي، وحكى الترمذي في العلل عن البخاري أنه وثقه كذا في تهذيب التهذيب، وقد تقدم ترجمته في باب المسح على الجوربين والعمامة‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس‏)‏ عبد الله بن قيس هذا هو أبو موسى الأشعري وابنه أبو بكر اسمه عمرو أو عامر ثقة من الثالثة ‏(‏عن أبيه‏)‏ أي عبد الله ابن قيس بن سليم بن حضار، كنيته أبو موسى الأشعري صحابي مشهور، أقره عمر ثم عثمان، وهو أحد الحكمين بصفين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن في الجنة جنتين من فضة آنيتهما وما فيهما‏)‏ أي من القصور والأثاث كالسرر وكفضبان الأشجار وأمثال ذلك قيل، قوله من فضة خبر آنيتهما والجملة صفة جنتين أو من فضة صفة قوله جنتين وخبر آنيهما محذوف أي آنيتهما وما فيهما كذلك، وكذا من جهة المبنى والمعنى قوله ‏(‏وجنتين من ذهب آنيتهما وما فيهما‏)‏ ثم ظاهره أن جنتين من فضة لا من ذهب وجنتين بالعكس فالجمع بينه وبين حديث صفة بناء الجنة من أن لبنة من ذهب ولبنة من فضة أن الأول صفة ما في الجنة من آنية وغيرها والثاني صفة حوائط الجنة‏.‏ ويؤيده أنه وقع عند البيهقي في البعث في حديث أبي سعيد أن الله أحاط حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة ‏(‏وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء‏)‏‏.‏ قال عياض‏:‏ كانت العرب تستعمل الاستعارة كثيراً وهو أرفع أدوات بديع فصاحتها وإيجازها ومنه قوله تعالى ‏(‏جناح الذل‏)‏ فمخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم لهم برداء الكبرياء على وجهه ونحو ذلك من هذا المعنى‏.‏ ومن لم يفهم ذلك تاه، فمن أجرى الكلام على ظاهره أفضى به الأمر إلى التجسيم، ومن لم يتضح له وعلم أن الله منزه عن الذي يقتضيه ظاهرها إما أن يكذب نقلتها وإما أن يأولها، أن يقال استعار لعظيم سلطان الله وكبريائه وعظمته وهيبته وجلاله المانع إدراك أبصار البشر مع ضعفها لذلك رداء الكبرياء فإذا شاء تقوية أبصارهم وقلوبهم كشف عنهم حجاب هيبته وموانع عظمته انتهى ملخصاً‏.‏ وقال الكرماني ما حاصله‏:‏ إن رداء الكبرياء مانع عن الرؤية فكان في الكلام حذفاً تقديره بعد قوله إلا رداء الكبرياء فإنه يمن عليهم يرفعه، فيحصل لهم الفوز بالنظر إليه، فكأن المراد أن المؤمنين إذا تبوأوا مقاعدهم من الجنة لولاما عندهم من هيبة ذي الجلال لما حال بينهم وبين الرؤية حائل، فاذا أراد إكرامهم حفهم برأفته وتفضل عليهم بتقويتهم على النظر إليه سبحانه‏.‏

قال الحافظ‏:‏ ثم وجدت في حديث صهيب في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏للذين أحسنوا الحسنى وزيادة‏}‏ ما يدل على أن المراد برداء الكبرياء في حديث أبي موسى الحجاب المذكور في حديث صهيب وأنه سبحانه يكشف لأهل الجنة إكراماً لهم‏.‏ والحديث عند مسلم والترمذي والنسائي وان خزيمة وابن حبان ولفظ مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إذا دخل أهل الجنة يقول الله عز وجل تريدون شيئاً‏"‏ أريدكم‏؟‏ فيقولون ألم تبيض وجوهنا وتدخلنا الجنة، قال فيكشف لهم الحجاب فما أعطوا شيئاً أحب إليهم منه ثم تلاهذه الاَية‏:‏ ‏{‏الذين أحسنوا الحسنى وزيادة‏}‏ أخرجه مسلم عقب حديث أبي موسى، ولعله أشار إلى تأويله به‏.‏ وقال القرطبي في المفهم الرداء استعارة كنى بها عن العظمة كما في الحديث الاَخر‏:‏ الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، وليس المراد الثياب المحسوسة لكن المناسبة أن الرداء والإزار لما كانا متلازمين للمخاطب من العرب عبر عن العظمة والكبرياء بهما، ومعنى حديث الباب أن مقتضى عزة الله واستغنائه أن لا يراه أحد لكن رحمته المؤمنين اقتضت أن يريهم وجهه كما لا للنعمة، فإذا زال المانع فعل منهم خلاف مقتضى الكبرياء، فكأنه رفع عنهم حجاباً كان يمنعهم انتهى ‏(‏على وجهه‏)‏ حال من رداء الكبرياء ‏(‏في جنة عدن‏)‏ راجع إلى القوم‏.‏ وقال عياض معناه راجع إلى الناظرين أي وهم في جنة عدن لا إلى الله فإنه لا تحويه الأمكنة سبحانه وتعالى‏.‏ وقال القرطبي‏:‏ متعلق بمحذوف في موضع الحال من القوم مثل كائنين في جنة عدن‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏إن في الجنة لخيمة‏)‏ أي عظيمة ‏(‏مجوفة‏)‏ أي واسعة الجوف ‏(‏عرضها‏)‏ وفي رواية طولها ويتحصل بالروايتين أن طولها وعرضها كل واحد منهما ستون ميلا ‏(‏في كل زاوية‏)‏ أي من الزوايا الأربع ‏(‏منها‏)‏ أي من تلك الخيمة ‏(‏أهل‏)‏ في رواية مسلم أهل المؤمن ‏(‏لا يرون‏)‏ أي ذلك الأهل وجمع باعتبار معناه ‏(‏الاَخرين‏)‏ أي الجمع الاَخرين من الأهل الكائنين في زاوية أخرى ‏(‏يطوف عليهم‏)‏ أي يدورو على جميعهم ‏(‏المؤمن‏)‏ قيل إن المعنى يجامع المؤمن الأهل وأن الطواف هنا كناية عن المجامعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان وغيرهما‏.‏

1593- باب ما جَاءَ في صِفَةِ دَرَجَاتِ الْجَنّة

2582- حَدّثنا عَبّاسٌ العَنْبَرِيّ، حدثنَا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ، أخبرنا شَرِيك عن مُحمّدِ بنِ جُحَادَةَ، عن عَطَاء، عن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏فِي الجَنّةِ مِائَةُ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كُلّ دَرَجَتَيْنِ مِائَةَ عَامٍ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسٌ غريبٌ‏.‏

2583- حدّثنا قُتَيْبَةُ وَأَحْمَدُ بنُ عَبْدَةَ الضّبّيّ البصري قالا أَخْبَرنَا عبدُ العزِيزِ بنُ محمدٍ عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَصَلّى الصّلوات وَحَجّ الْبَيْتَ، لا أَدْرِي أَذكَر الزَكَاةَ أَمْ لاَ، إِلاّ كَانَ حَقّاً عَلَى الله أَنْ يَغْفِرَ لَهُ إِنْ هَاجَرَ في سَبِيلِ الله أَوْ مكثَ بِأَرْضِهِ الّتِي وُلِدَ بِهَا‏.‏ قال مُعَاذٌ‏:‏ أَلاَ أُخْبِرُ بِهَذَا النّاسَ‏؟‏ فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ذَرِ النّاسَ يَعْمَلُونَ فَإِنّ في الْجَنّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كلّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَالْفِرْدَوْسُ أَعْلَى الْجَنّةِ وَأَوْسَطُهَا وَفَوْقَ ذَلِكَ عَرْشُ الرّحمَنِ، وَمِنْهَا تُفَجّرُ أَنْهَارُ الْجَنّةِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ الله فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هكَذَا رُوِيَ هذا الحديثُ عن هِشَامِ بنِ سَعْدٍ عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ، عن عَطَاءِ بنِ يَسَار عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، وهذا عِنْدِي أَصَحّ من حديثِ هَمّامٍ عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عن عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ‏.‏ وَعَطَاءَ لم يُدْرِكْ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ، وَمُعَاذٌ قَدِيمُ المَوْتِ، مَاتَ في خِلاَفَةِ عُمَرَ‏.‏

2584- حدّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الرّحْمنِ، انبانَا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أخبرنا هَمّامٌ عن زَيدِ بنِ أَسْلَمَ، عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ، عن عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏في الجَنّةِ مِائَةُ دَرَجَةً مَا بَيْنَ كلّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَالفِرْدَوْسُ أَعْلاَهَا دَرَجَةً، وَمِنْهَا تُفَجّرُ أَنْهَارُ الْجَنّةِ الأَرْبَعَةُ، وَمِنْ فَوْقِهَا يَكُونُ الْعَرْشُ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ الله فَاسْأَلُوهُ الفَرْدَوْسَ‏"‏‏.‏

2585- حدّثنا أَحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ، حدثنا هَمّامٌ، عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ نَحْوَهُ‏.‏

2586- حدّثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا ابنُ لَهِيعَةَ عن دَرّاجٍ عن أَبِي الهَيْثمِ عن أَبِي سَعِيدٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ‏:‏ ‏"‏إِنّ فِي الْجَنّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ لَوْ أَنّ الْعَالَمِينَ اجْتَمَعُوا فِي إِحْدَاهُنّ لَوَسِعَتهُمْ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ غريبٌ‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏في الجنة مائة درجة‏)‏ قال ابن الملك‏:‏ المراد بالمائة ههنا الكثرة وبالدرجة المرقاة‏.‏ قال القاري‏:‏ الأظهر أن المراد بالدرجات المراتب العالية قال تعالى‏:‏ ‏{‏لهم درجات عند ربهم‏}‏ أي ذوو درجات بحسب أعمالهم من الطاعات كما أن أهل النار أصحاب دركات متسافلة لقدر مراتبهم في شدة الكفر، كما يشير إليه قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار‏}‏ ‏(‏مائة عام‏)‏ أي مسيرة مائة عام‏.‏ قال المناوي‏:‏ وفي رواية خمسمائة، وفي أخرى أكثر وأقل ولا تعارض لاختلاف السير في السرعة والبطء والبين ذكر تقريباً للإفهام‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب والطبراني في الأوسط، إلا أنه قال ما بين كل درجتين مسيرة خمسمائة عام انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا أدري أذكر الزكاة أم لا‏)‏ الظاهر أن قائله لا أدري هو عطاء بن يسار وفاعل ذكر هو معاذ بن جبل ‏(‏إلا كان‏)‏ كذا في النسخ الموجودة بزيادة إلا قبل كان، ولا يتقيم معناها ههنا، فهي زائدة وقد تكون هي زائدة كما في قوله الشاعر‏:‏

حراجيج ما تنفك إلا مناخة *** على الخسف أو ترمي بها بلداً فقراً

كذا في القاموس‏.‏ وقد روى أحمد هذا الحديث في مسنده ولم يقع في روايته لفظ إلا ‏(‏حقاً على الله‏)‏ أي يوعده الصادق ‏(‏ألا أخبر بها الناس‏)‏ حتى يفرحوا بهذه البشارة ‏(‏ذر الناس‏)‏ أي أتركهم بلا بشارة ‏(‏يعملون‏)‏ أي يجتهدون في زيادة العبادة ولا يتكلون على هذا الإجمال ‏(‏فإن في الجنة مائة درجة‏)‏ قال القاري‏:‏ يمكن أن يراه به الكثرة لما ورد من رواية البيهقي عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً‏:‏ عدد درج الجنة عدد آي القرآن فمن دخل الجنة من أهل القرآن فليس فوقه درجة‏.‏ ويمكن أن يقال في الجنة مائة درجة لكل واحد من أهلها فيكون بيان أقل ما يكون فيها من أنواع السعة وأصناف النعمة ‏(‏والفردوس‏)‏ قال الحافظ‏:‏ الفردوس هو البستان الذي يجمع كل شيء، وقيل هو الذي فيه العنب، وقيل هو بالرومية، وقيل بالقبطية، وقيل بالسريانية وبه جزم أبو أسحاق الزجاج انتهى‏.‏ وقال في القاموس‏:‏ الفردوس الأودية التي تنبت ضروباً من النبت والبستان يجمع كل ما يكون في البساتين يكون فيه الكروم وقد يؤنث عربية أورومية نقلت أو سريانية انتهى ‏(‏أعلى الجنة وأوسطها‏)‏ أي أعدلها وأفضلها وأوسعها وخيرها، ذكره السيوطي‏.‏ قال الطيبي‏:‏ النكتة في الجمع بين الأعلى والأوسط أنه أراد باحدهما الحسي والاَخر المعنوي‏.‏ فإن وسط الشيء أفضله وخياره، وإنما كان كذلك لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والأوساط محمية محفوظة‏.‏ وقال ابن حبان‏:‏ المراد بالأوسط السعة وبالأعلى الفوقية ‏(‏ومنها‏)‏ أي من الفردوس ‏(‏تفجر‏)‏ بصيغة المجهول أي تشقق وتجري ‏(‏أنهار الجنة‏)‏ أي أصول الأنهار الأربعة من الماء واللبن والخمر والعسل ‏(‏فإذا سألتم الله‏)‏ أي الجنة ‏(‏فاسألوه‏)‏ وفي بعض النسخ فسلوه بالتخفيف والنقل أي فاطلبوا منه ‏(‏الفردوس‏)‏ لأنه أفضلها وأعلاها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هكذا روى هذا الحديث عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل وهذا عندي أصح‏)‏ وأخرجه البخاري من طريق هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ رواه زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار فاختلف عليه، فقال هشام بن سعد وحفص ابن ميسرة والدراوردي عنه عن عطاء عن معاذ بن جبل أخرجه الترمذي وابن ماجه‏.‏ وقال همام عن زيد عن عطاء عن عبادة بن الصامت أخرجه الترمذي والحاكم ورجح رواية الدراوردي ومن تابعه على رواية همام ولم يتعرض لرواية هلال مع أن بين عطاء بن يسار ومعاذ انقطاعاً انتهى‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏والفردوس‏)‏ أي الجنة المسماة بالفردوس المذكور في القرآن في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قد أفلح المؤمنون‏}‏ إلى قوله ‏{‏أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس‏}‏ ‏(‏أعلاها‏)‏ أي أعلى سائر الجنان ‏(‏ومنها‏)‏ أي من جنة الفردوس ‏(‏تفجر أنهار الجنة الأربعة‏)‏ بالرفع صفة لأنهار وهي أنهار الماء واللبن والخمر والعسل المذكورة في القرآن وفيها أنهار من ماء غير اسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ‏(‏ومن فوقها يكون العرش‏)‏ يدل هذا على أن الفردوس فوق جميع الجنان، ولذا قال صلى الله عليه وسلم تعليماً للأمة وتعظيما للهمة ‏(‏فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس‏)‏ وفي بعض النسخ فسلوه بالتخفيف وحديث عبادة هذا أخرجه أحمد وابن أبي شيبة والحاكم‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏لو أن العالمين‏)‏ بفتح اللام أي جميع الخلق اجتمعوا جميعاً ‏(‏لو سعتم‏)‏ أي لكفتهم لسعتها المفرطة التي لا يعلمها إلا الله تعالى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ وأخرجه ابن حبان من وجه اخر وصححه قاله القاري‏.‏

1594- باب في صِفَةِ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنّةِ

2587- حَدّثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ، أخبرنا فَرْوَةُ بنُ أَبِي المَغْرَاءِ، أَخْبَرنَا عُبَيْدَةُ بنُ حُمَيْدٍ عن عَطَاءِ بنِ السّائِبِ، عن عَمْرِو بنِ مَيْمُونٍ، عن عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏إِنّ المَرْأَةَ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنّةِ لَيُرَى بَيَاضُ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ سَبْعِينَ حُلّةً حَتّى يُرَى مُخّهَا وَذَلِكَ بِأَنّ الله تَعَالَى يَقُولُ‏:‏ ‏{‏كَأَنّهُنّ الْيَاقُوتُ وَالمَرْجَانُ‏}‏ فَأَمّا اليَاقُوتَ فَإِنّهُ حَجَرٌ لَوْ أَدْخَلْتَ فِيهِ سِلْكاً، ثُمّ اسْتَصْفَيْتَهُ لأُريتَهُ مِنْ وَرَائِهِ‏"‏‏.‏

2588- حدّثنا هَنّادٌ، حدثنا عُبَيْدَةُ بنُ حُمَيْدٍ عنْ عَطَاءِ بنِ السّائِبِ عَن عَمْرِو بن مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ، عَنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ‏.‏

2589- حدّثنا هَنّادٌ، حدثنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَن عَطَاءِ بنِ السَائِبِ عَن عَمْرِو بنِ مَيْمُونٍ عَن عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَهَذَا أَصَحّ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدَةَ بنِ حُمَيْدٍ‏.‏ وَهَكَذَا رَوَى جَرِيرٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَطَاءِ بنِ السّائِبِ، وَلَمْ يَرْفَعُوهُ‏.‏

حدثنا قتيبة حدثنا جرير عن عطاء بن السائب نحو حديث ابي الاحوص ولم يرفعه أَصحاب عطاءٍ وهذا اصح‏.‏

2590- حدّثنا سُفْيَانُ بنُ وَكيعٍ، أخبرنا أَبي عن فُضَيْلِ بنِ مَرْزُوق عن عَطيّةَ عن ابِي سَعِيدٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏إِنّ أَوّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنّةَ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ وَالزّمْرَةُ الثّانِيَةُ عَلَى مِثْلِ أَحْسَنِ كَوْكَبٍ دُرّيّ في السّمَاءِ، لِكُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ عَلَى كلّ زَوْجَةٍ سَبْعُونَ حُلّةً يُرَى مُخّ سَاقِهَا مِنْ ورَائِهَا‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

2591- حدّثنا العَبّاسُ بنُ مُحمّدٍ، أخبرنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى، أخبرنا شَيْبَانُ عن فِرَاسٍ عن عَطِيّةَ عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏أَوّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنّةَ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالثّانِيَةُ عَلَى لَوْنِ أَحْسَنِ كَوْكَبٍ دُرّيّ في السّمَاءِ، لِكُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، عَلَى كُلّ زَوْجَةٍ سَبْعُونَ حُلّةً يَبْدُو مُخّ سَاقِهَا مِنْ وَرَائِهَا‏"‏‏.‏

هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏)‏‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا فروة بن أبي المغراء‏)‏ بفتح الميم والمد واسم أبيه معد يكرب الكندي، يكنى أبا القاسم، كوفي صدوق من العاشرة ‏(‏أخبرنا عبيدة‏)‏ بفتح أوله وكسر الموحدة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ليرى‏)‏ بصيغة المجهول ‏(‏مخها‏)‏ بالضم والدماغ ‏(‏كأنهن الياقوت‏)‏ أي صفاء ‏(‏والمرجان‏)‏ أي اللؤلؤ بياضاً‏.‏ قال في القاموس‏:‏ المرجان صغار اللؤلؤ ‏(‏ثم استصفيته‏)‏ المراد باستصفاء الياقوت هنا، جعله صافياً ونقياً من الكدورة ونحوها مما يكدره، وحديث ابن مسعود هذا أخرجه أيضاً ابن أبي الدنيا وابن حبان في صحيحه‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏إن أول زمرة‏)‏ أي جماعة وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ‏(‏على مثل ضوء القمر ليلة البدر‏)‏ أي وجوههم على مثل ضوء القمر ليلة البدر ‏(‏والزمرة الثانية‏)‏ وهم الأولياء والصلحاء على اختلاف مراتبهم في الضياء على كل زوجة سبعون حلة بضم حاء وتشديد لام ولا تطلق غالباً إلا على ثوبين ‏(‏يرى‏)‏ أي يبصر ‏(‏مخ ساقها‏)‏ أي مخ عظام ساق كل زوجة ‏(‏من ورائها‏)‏ أي من فوق حللها السبعين لكمال لطافة أعضائها وثيابها‏.‏ قال القاري‏:‏ والتوفيق بينه وبين خبر أدنى أهل الجنة من له ثنتان وسبعون زوجة وثمانون ألف خادم بأن يقال يكون لكل منهم زوجتان موصوفتان بأن يرى مخ ساقها من ورائها وهذا لا ينافي أن يحصل لكل مهنم كثير من الحور العين الغير البالغة إلى هذه الغلية كذا قيل والأظهر أنه تكون لكل زوجتان من نساء الدنيا، وأن أدنى أهل الجنة من له ثنتان وسبعون زوجة في الجملة يعني ثنتين من نساء الدنيا وسبعين من الحور العين انتهى‏.‏ وقال الحافظ في الفتح‏:‏ قوله ولكل واحد، منهم زوجتان أي من نساء الدنيا، فقد روى أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعاً في صفة‏:‏ أدنى أهل الجنة منزلة وأن لكلك منهم- من الحور العين- ثنتين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدنيا وفي سنده شهر بن حوشب وفيه مقال‏.‏ ولأبي يعلى في حديث الصور الطويل من وجه آخر عن أبي هريرة في حديث مرفوع‏:‏ فيدخل الرجل على ثنتين وسبعين زوجة مما ينشيء الله وزوجتين من ولد آدم‏.‏ قال والذي يظهر أن أقل ما لكل واحد منهم زوجتان، وقد أجاب بعضهم باحتمال أن تكون التثنية تطيراً لقوله‏:‏ جنتان وعينان ونحو ذلك أو المراد تثنية التكثير والتعظيم نحو لبيك وسعديك ولا يخفى ما فيه انتهى ملخصاً‏.‏

قلت‏:‏ روى البخاري في صحيحه في صفة الجنة عن أبي هريرة مرفوعاً‏:‏ أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر‏:‏ الحديث وفيه‏:‏ ولكل واحد منهم زوجتان‏.‏ ورواه من طريق آخر وفيه ولكل امرئ زوجتان من الحور العين‏.‏ فقول الحافظ وغيره في تفسير قوله‏:‏ ولكل واحد منهم زوجتان أي من نساء الدنيا ليس بصحيح فإن الروايات يفسر بعضها بعضاً، فالظاهر أن أقل ما لكل واحد منهم زوجتان كما قال الحافظ والله تعالى أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏على لون أحسن كوكب دري‏)‏ قال في النهاية‏:‏ الكوكب الدري الشديد الإنارة كأنه نسب إلى الدر تشبيهاً به لصفاته‏.‏ وقال الفراء هو عند العرب العظيم المقدار، وقيل هو أحد الكواكب الخمسة السيارة انتهى ‏(‏يبدو‏)‏ أي يظهر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد‏.‏

1595- باب ما جَاءَ في صِفَةِ جِمَاعِ أَهْلِ الْجَنّة

2592- حَدّثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ وَمَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ قالا‏:‏ حدثنَا أَبُو دَاوُدَ الطّيَالِسِيّ عَن عُمْرَانَ القَطّانِ، عن قتادة عن أَنَسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏يُعْطَى المُؤمِنُ في الْجَنّةِ قُوّةَ كَذَا وكَذَا مِنَ الْجِمَاعِ، قيِلَ يَا رَسُولَ الله أَوَ يُطِيقُ ذَلِكَ‏؟‏ قَالَ‏:‏ يُعْطَى قُوّةَ مِائَةٍ‏"‏‏.‏

وفي البابِ عن زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ صحيحٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عن أَنَسٍ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ القَطّانِ‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع‏)‏ قال في اللمعات‏:‏ أي قوة جماع كذا وكذا من النساء، فكذا وكذا كناية عن عدد النساء كعشرين وثلاثين مثلا فافهم انتهى وقيل كناية عن مرات الجماع كعشرين مرة أو ثلاثين أو أربعين أو مائة ونحوها ‏(‏أو يطيق ذلك‏)‏ بفتح الواو أي يعطي تلك القوة ويستطيع ذلك المقدار، والإشارة إلى مضمون قوله كذا وكذا من الجماع ‏(‏يعطي قوة مائة‏)‏ أي مائة رجل‏.‏ والمعنى فإذا كان كذلك فهو يطيق ذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن زيد بن أرقم‏)‏ قال جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا القاسم تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون‏؟‏ قال نعم والذي نفس محمد بيده إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع‏.‏ قال فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة وليس في الجنة أذى، قال تكون حاجة أحدهم رشحاً يفيض من جلودهم كرشح المسك فيضمر بطنه‏.‏ أخرجه أحمد والنسائي‏.‏ قال المنذري ورواته محتج بهم في الصحيح‏.‏ قال ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم ثم ذكر لفظهما‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح غريب‏)‏ وأخرجه ابن حبان في صحيحه‏.‏

1596- باب ما جَاءَ فِي صِفَةِ أَهْل الْجَنّة

2593- حَدّثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، أخبرنا عبد الله بنُ المُبَارَكِ، أخبرنا مَعْمَرٌ عن هَمّامِ بنِ مُنَبّهٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أَوّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لاَ يَبْصُقُونَ وَلاَ يَتَمَخّطُونَ، وَلاَ يَتَغَوَطُونَ، آنيَتُهُمْ فِيهَا مِنَ الذّهَبِ وَأَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذّهَبِ وَالفِضَةِ وَمَجَامِرُهُمْ مِنَ الالوّةِ وَرَشحُهُمْ المِسْكُ، وَلِكُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ يُرَى مُخّ سُوْقِهِمَا منْ وَرَاءِ الّلحْمِ مِنَ الْحُسْنِ، لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ وَلاَ تَبَاغُضَ قُلُوبُهُمْ قَلْبُ رَجُلٍ وَاحِدٍ يُسَبّحونَ الله بُكْرَةً وَعَشِيّا‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ صحيحٌ‏.‏ والأَلُوّةُ‏:‏ هو العُودُ‏.‏

2594- حدّثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ، أخبرنا ابنُ لَهِيعَةَ، عنْ يَزِيدَ بنِ أَبي حَبِيبٍ، عنْ دَاوُدَ بنِ عَامِرٍ بنِ سَعد بن أَبي وَقّاصٍ عنْ أَبِيهِ عنْ جَدّهِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏لَوْ أَنّ مَا يُقِلّ ظُفُرٌ مِمّا فِي الْجَنّةِ بَدَا لَتَزَخْرَفَتْ لَهُ مَا بَيْنَ خَوَافِقِ السمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَوْ أَنّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْجَنّةِ اطّلَعَ فَبَدَا أَسَاوِرُهُ لَطَمَسَ ضَوْءَ الشّمْسِ كَمَا تَطْمَسُ الشّمْسُ ضَوْءَ النّجُوم‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ بِهَذَا الإِسْنَادِ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ ابنِ لَهِيْعَةَ‏.‏ وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بنُ أَيّوبَ هَذَا الْحَدِيثَ عنْ يَزِيدَ بنِ أَبِي حَبِيبٍ، وَقَالَ عنْ عُمَرَ بنِ سَعْدِ بنِ أَبي وَقّاصٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏تلج الجنة‏)‏ من الولوج أي تدخل ‏(‏صورتهم على صورة القمر ليلة البدر‏)‏ أي في الإضاءة ‏(‏لا يبصقون‏)‏ قال في القاموس‏:‏ البصاق كغراب والبساق والبزاق ماء الفم إذا خرج منه، وما دام فيه فهو ريق، وبصق بزق انتهى ‏(‏ولا يمتخطون‏)‏ وفي بعض النسخ ولا يتمخطون‏:‏ أي ليس في أنفهم من المياه الزائدة والمواد الفاسدة ليحتاجوا إلى إخراجها ولأن الجنة مساكن طيبة للطيبين فلا يلائمها الأدناس والأنجاس‏.‏ قال ابن الجوزي‏:‏ لما كانت أغذية أهل الجنة في غاية اللطافة والاعتدال لم يكن فيها أذى ولا فضلة تستقذر بل يتولد عن تلك الأغغذية أطيب ريح وأحسنه ‏(‏آنيتهم فيها من الذهب وأمشاطهم من الذهب والفضة‏)‏‏.‏

وفي رواية للبخاري آتيتهم من الذهب والفضة وأمشاطهم من الذهب‏.‏

قال الحافظ‏:‏ وكأنه اكتفى في الموضعين ذكر أحدهما عن الاَخر فإنه يحتمل أن يكون الصنفان لكل منهم ويحتمل أن يكون أحد الصنفين لبعضهم والاَخر للبعض الاَخر، ويؤيد حديث أبي موسى مرفوعاً‏:‏ جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما الحديث متفق عليه‏.‏ ويؤيد الأولى ما أخرجه الطبراني بإسناد قوي عن أنس مرفوعاً‏:‏ إن أدنى أهل الجنة درجة لمن يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم بيد كل واحد صحفتان واحدة من ذهب والأخرى من فضة الحديث انتهى‏.‏ والأمشاط جمع مشط بتثليث الميم والأفصح ضمها آلة يمتشط بها ‏(‏ومجامرهم من الألوة‏)‏‏.‏

قال في النهاية‏:‏ المجامر جمع مجمر ومجمر فالمجمر بكسر الميم هو الذي يوضع فيه النار للبخور، والمجمر بالضم الذي يتبخر به وأعد له الجمر وهو المراد في هذا الحديث أي أن بخورهم بالألوة وهو العود انتهى‏.‏ وفي رواية للبخاري‏:‏ ووقوه مجامرهم الألوة فعلى هذه الرواية المجامر جمع مجمر بكسر الميم أي ما يوقد به مباخرهم الألوة وهي بفتح الهمزة ويجوز ضمها وبضم اللام وتشديد الواو‏.‏ وحكى ابن التين كسر الهمزة‏.‏ وتخفيف الواو والهمزة أصلية وقيل زائدة‏:‏ قال النووي‏:‏ هو العود الهندي، وقد يقال إن رائحة العود إنما تفوح بوضعه في النار والجنة لا نار فيها، ويجلب باحتمال أن يشتعل بغير نار بل بقوله كن، وإنما سميت مجمرة باعتبار ما كان في الأصل، ويحتمل أن يشتعل بنار لا ضرر فيها ولا إحراق، أو يفوح بغير اشتعال‏.‏

وقال القرطبي‏:‏ قد يقال أي حاجة لهم إلى المشط وهم مرد وشعورهم لا تتسخ، وأي حاجة لهم إلى البخور وريحهم أطيب من المسك، قال ويجاب بأن نعيم أهل الجنة من أكل وشرب وكسوة وطيب ليس عن ألم جوع أو ظمأ أو عرى أو نتن وإنما هي لذات متتالية ونعم متوالية، والحكمة في ذلك أنهم ينعمون بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا‏.‏ وقال النووي‏:‏ مذهب أهل السنة أن تنعم أهل الجنة على هيئة تنعم أهل الدنيا إلا ما بينهما من التفاضل في اللذة ودل الكتاب والسنة على أن نعيمهم لا انقطاع له كذا في الفتح ‏(‏ورشحهم‏)‏ أي عرفهم ‏(‏المسك‏)‏ أي رائحة المسك‏.‏ والمعنى رائحة عرفهم المسك فهو تشبيه بليغ ‏(‏ولكل واحد منهم زوجتان‏)‏ وفي رواية للبخاري‏:‏ ولكل امرئ زوجتان من الحور العين‏.‏ قال الطيبي‏:‏ الظاهرة أن التثنية للتكرير لا للتحديد كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏فارجع البصر كرتين‏)‏ لأنه قد جاء أن للواحد من أهل الجنة العدد الكثير من الحور العين وقد تقدم الكلام في هذا في باب صفة نساء أهل الجنة ‏(‏من الحسن قال الطيبي رحمه الله‏:‏‏)‏ هو تتميم صوناً من توهم ما يتصور في تلك الرؤية مما ينفر عنه الطبع، والحسن هو الصفاء ورقة البشرة ونعومة الأعضاء ‏(‏لا اختلاف بينهم ولا تباغض‏)‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناف على سرر متقابلين‏}‏ ‏(‏قلوبهم قلب رجل واحد‏)‏ أي في الاتفاق والمحبة ‏(‏يسبحون الله بكرة وعشياً‏)‏ قال الحافظ‏:‏ أي قدرهما، قال القرطبي‏:‏ هذا التسبيح ليس عن تكليف وإلزام وقد فسره جابر في حديثه عند مسلم بقوله‏:‏ يلهمون التسبيح والتكبير كما يلهمون النفس، ووجه التشبيه أن تنفس الإنسان لا كلفة عليه فيه ولا بد له منه فجعل تنفسهم تسبيحاً وسببه أن قلوبهم تنورت بمعرفة الرب سبحانه، وامتلأت بحبه ومن أحب شيئاً أكثر من ذكره‏.‏ وقد وقع في خبر ضعيف‏:‏ أن تحت العرش ستارة معلقة فيه ثم تطوى فإذا نشرت كانت علامة البكور وإذا طويت كانت علامة العشي انتهى‏.‏ وقال الطيبي‏:‏ يراد بهما الديمومة كما تقول العرب‏:‏ أنا عند فلان صباحاً ومساء، لا يقصد الوقتين المعلومين بل الديمومة انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص‏)‏ الزهري المدني ثقة من السادسة ‏(‏عن أبيه‏)‏ أي عامر في سعد بن أبي وقاص الزهري المدني ثقة من الثالثة ‏(‏عن جده‏)‏ أي سعد بن أبي وقاص‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏لو أن ما يقل‏)‏ بضم الياء وكسر القاف وتشديد اللام، أي يحمله ‏(‏ظفر‏)‏ بضمتين ويسكن الثاني‏.‏ قال الطيبي‏:‏ ما موصولة والعائد محذوف، أي ما يقله‏.‏ وقال القاضي‏:‏ أي قدر ما يستقل بحمله ظفر ويحمل عليها ‏(‏مما في الجنة‏)‏ أي من نعيمها ‏(‏بدا‏)‏ أي ظهر في الدنيا للناظرين ‏(‏لتزخرفت‏)‏ أي تزينت ‏(‏له‏)‏ أي لذلك المقدار وسببه ‏(‏ما بين خوافق السموات والأرض‏)‏ قال القاضي‏:‏ الخوافق جمع خافقة هي الجانب وهي في الأصل الجوانب التي تخرج منها الرياح من الخفقان، ويقال الخافقان المشرق والمغرب‏.‏ قال الطيبي‏:‏ وتأنيث الفعل لأن ما بين بمعنى الأماكن كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أضاءت ما حوله‏}‏ في وجه ‏(‏اطلع‏)‏ بتشديد الطاء أي أشرف على أهل الدنيا ‏(‏فبدا‏)‏ أي ظهر ‏(‏أساوره‏)‏ جمع أسورة جمع سوار، والمراد بعض اساوره‏.‏ ففي الترغيب فبدأ سواره ‏(‏لطمس‏)‏ أي محا ضوء أساوره ‏(‏ضوء الشمس‏)‏ بالنصب على المفعولية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ وأخرجهابن أبي الدنيا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد روى يحيى بن أيوب‏)‏ هو الغافقي ‏(‏عن عمر بن سعد بن أبي وقاص‏)‏ المدني نزيل الكوفة صدوق لكن مقته الناس لكونه كان أميراً على الجيش الذين قتلوا الحسين بن علي من الثانية قتله المختار سنة خمس وستين أو بعدها ووهم من ذكره من الصحابة فقد جزم ابن معين بأنه ولد يوم مات عمر بن الخطاب كذا في التقريب ‏(‏عن النبي صلى الله عليه وسلم‏)‏ وهذا المرسل‏.‏

1597- باب ما جَاءَ فِي صِفَةِ ثِيَاب أَهْلِ الْجَنّة

2595- حَدّثنا مُحمدُ بنُ بَشّارٍ وَأَبُو هِشَامٍ الرّفَاعِيّ، قَالاَ‏:‏ حدثنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ، عن أَبِيهِ عن عَامِرٍ الأَحْوَلِ، عنْ شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أَهْلُ الْجَنّةِ جُرْدٌ مُرْدٌ كَحْلَى لاَ يَفْنَى شَبَابُهُمْ، وَلاَ تَبْلَى ثِيَابُهُمْ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ‏.‏

2596- حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حدثنا رِشْدِينُ بنُ سَعْدٍ عنْ عَمْرِو بنِ الْحَارِثِ، عَنْ دَرّاجٍ أَبي السّمْحِ، عَنْ أَبِي الهَيْثَمِ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ عَنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم في قَوْلِهِ ‏{‏وَفُرُشٌ مَرْفُوعَةٌ‏}‏ قَالَ‏:‏ ‏"‏ارْتِفَاعُهَا لَكَمَا بَيْنَ السّمَاءِ وَالأَرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسِمَائَةِ عَامٍ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ بنِ سَعْدٍ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ‏:‏ إنّ مَعْنَاهُ أَنّ الفُرُشَ في الدّرَجَاتِ وَبَيْنَ الدّرَجَاتِ كَمَا بَيْنَ السّمَاءِ وَالأَرْضِ‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏عن أبيه‏)‏ أي هشام بن أبي عبد الله سنبر، كنيته أبو بكر البصري الدستوائي ثقة ثبت وقد رمى بالقدر من كبار السابعة ‏(‏عن عامر الأحوال‏)‏ قال في التقريب‏:‏ عامر بن عبد الواحد الأحول البصري صدوق يخطئ من السادسة وهو عامر الأحول الذي يروي عن عائذ بن عمرو المزني والصحابي انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أهل الجنة جرد‏)‏ بضم جيم وسكون راء جمع أجرد‏:‏ وهو الذي لا شعر على جسده وضده الأشعر ‏(‏مرد‏)‏ جمع أمرد وهو غلام لا شعر على ذقنه وقد يراد به الحسن بناء على الغالب ‏(‏كحلى‏)‏ بفتح الكاف فعلى بمعنى فعيل، أي مكحول، وهو عين في أجفانها سواد خلقه كذا قيل، وقال في النهاية‏:‏ الكحل بفتحتين سواد في أجفان العين خلقة والرجل أكحل وكحيل وكحلى جمع كحيل ‏(‏لا يفني شبابهم‏)‏ بل كل منهم في سن ابن ثلاث وثلاثين دائماً ‏(‏ولا تبلى ثيابهم‏)‏ أي لا يلحقها البلى أو لا يزال عليهم الثياب الجدد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ وأخرجه الدارمي‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏قال‏)‏ أي النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏ارتفاعها‏)‏ أي ارتفاع فرش الجنة، وقيل ارتفاع الدرجة التي فرشت للفرش المرفوعة فيها وهو مبتدأ وخبره لكما بين السماء والأرض‏.‏ ‏(‏مسيرة خمسمائة عام‏)‏ بدل من ما قبله أو بيان له‏.‏ والمعنى أن ارتفاع الفرش المفروشة في الجنة مثل مسافة ما بين السماء والأرض أي مسافة خمسمائة عام‏.‏ وروى الترمذي هذا الحديث بهذا الإسناد في تفسير سورة الواقعة ولفظه‏:‏ ارتفاعها كما بين السماء والأرض ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام ومعناه ظاهر أي ارتفاع الفرش المفروشة في الجنة مثل سميرة ما بين السماء والأرض، ومسيرة ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، فارتفاع الفرش المفروشة في الجنة مسيرة خمسمائة عام، فمعنى اللفظ الذي ذكره هنا واللفظ الذي ذكره في التفسير واحد ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ وأخرجه أحمد والنسائي وابن أبي الدنيا‏.‏ قال المنذري‏:‏ ورواه ابن حبان في صحيحه والبيهقي وغيرهما من حديث ابن وهب أيضاً عن عمرو ابن الحارث عن دراج انتهى ‏(‏وقال بعض أهل العلم في تفسير هذا الحديث معناه أن الفرش في الدرجات وبين الدرجات كما بين السماء والأرض‏)‏ هذا المعنى موافق للمعنى الثاني الذي ذكرناه، أي ارتفاع الدرجة التي فرشت الفرش المرفوعة فيها‏.‏ وقال التوربشتي‏:‏ قول من قال المراد منه ارتفاع الفرش المرفوعة في الدرجات وما بين كل درجتين من الدرجات كما بين السماء والأرض هذا القول أوثق وذلك لما في الحديث‏:‏ أن للجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض انتهى‏.‏

1598- باب ما جَاءَ فِي صِفَةِ ثِمَارِ اهل الْجَنّة

2597- حَدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، أخبرنا يُونُسُ بنُ بُكَيْرٍ عَنْ مُحمّدٍ بنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بنِ عباطد بن عَبْدِ الله بنِ الزّبَيْرِ عن أَبِيهِ عَنْ عائشة عن أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبي بَكْرٍ قَالَتْ‏:‏ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَذُكِرَ سِدْرَةَ المُنْتَهَى قَالَ‏:‏ ‏"‏يَسِيرُ الراكِبُ في ظِلّ الفَنَنِ مِنْهَا مِائَةَ سَنَةٍ، أَوْ يَسْتَظِلّ بِظِلّهَا مِائَةُ رَاكِبٍ شَكّ يَحْيَى، فِيهَا فِرَاشُ الذّهَبِ كَأَنّ ثَمَرَهَا القِلاَلُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏عن يحيى عبد الله بن الزبير‏)‏ بن العوام المدني ثقة من الخامسة ‏(‏عن أبيه‏)‏ أي عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام كان قاضي مكة زمن أبيه وخليفته إذا حج، ثقة من الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وذكر سدرة المنتهى‏)‏ قيل هي شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش ثمرها كقلال هجر، ووقع ذكر سدرة المتهى في حديث المعراج عند الشيخين ولفظ البخاري‏:‏ ثم رفعت إلى سدرة المتهي فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة‏.‏

قال الحافظ‏:‏ وقع بيان سبب تسميتها سدرة المنتهى في حديث ابن مسعود عند مسلم ولفظه‏:‏ لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ انتهى بي إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة وإليها ينتهي ما يعرج من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط فيقبض منها‏.‏ وقال النووي‏:‏ سميت سدرة المنتهى لأن علم الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏قال‏)‏ أي النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏يسير الراكب‏)‏ أي المجد ‏(‏في ظل الفنن‏)‏ محركة أي الغصن وجمعه الأفنان ومنه قوله تعالى ‏{‏ذواتا أفنان‏}‏ ويقال ذلك للنوع وجمعه فنون كذا حققه الراغب ‏(‏منها‏)‏ أي من السدرة أو يستظل بظلها مائة راكب أو للشك ‏(‏شك يحيى‏)‏ أي ابن عباد المذكور في السند فيها أي في سدرة المنتهى‏.‏ والمعنى فيما بين أغصانها أو عليها بمعنى فوقها مما يغشاها ‏(‏فراش الذهب‏)‏ بفتح الفاء جمع فراشة وهي التي تطير وتتهافت في السراج قيل هذا تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذ يغشى السدرة ما يغشى‏}‏ ومنه أخذ ابن مسعوذ حيث فسر ما يغشى بقوله يغشاها فراش من ذهب‏.‏ قال البيضاوي‏:‏ وذكر الفراش وقع على سبيل التمثيل لأن من شأن الشجر أن يسقط عليها الجراد وشبهه وجعلها من الذهب الصفاء لونها وإضاءتها في نفسها انتهى‏.‏

قال الحافظ‏:‏ ويجوز أن يكون من الذهب حقيقة ويخلق فيه الطيران والقدرة صالحة لذلك إنتهى‏.‏ ‏(‏كأن ثمرها القلال‏)‏ بكسر القاف، جمع القلة‏.‏ أي قلال هجر في الكبر‏.‏

1599- باب ما جَاءَ فِي صِفَةِ طَيْرِ الْجَنّة

2598- حَدّثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مُحمّدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ مُسْلِمٍ، عن أَبِيهِ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ‏:‏ ‏"‏سُئِلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ما الكَوْثَرُ‏؟‏ قَالَ‏:‏ ‏"‏ذَاكَ نَهْرٌ أَعْطَانِيهُ الله يَعْنِي في الجَنّةِ أَشَدّ بَيَاضاً مِنَ الّلبَنِ وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ فِيهِ طَيْرٌ أَعْنَاقُهَا كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ‏"‏‏.‏ قال عُمَرُ‏:‏ إِنّ هَذِهِ لَنَاعِمَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أَكْلَتُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا‏"‏‏.‏ قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ‏.‏

وَمُحمّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ مُسْلِمٍ هُوَ ابنُ أَخِي ابنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ وعبدُ الله بنِ مسلم قد رَوَى عن ابنِ عمر وَانسَ بنَ مالك‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا عبد الله بن مسلمة‏)‏ بن قعنب القعنبي الحارثي أبو عبد الرحمن البصري أصله من المدينة وسكنها مدة ثقة عابد من صغار التاسعة ‏(‏عن محمد بن عبد الله بن مسلم‏)‏ بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري المدني ابن أخي الزهري صدوق له أوهام من السادسة ‏(‏عن أبيه‏)‏ أي عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن الحارث بن زهرة الزهري المدني، كنيته أبو محمد أخو الزهري، الإمام ثقة من الثالثة مات قبل أخيه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ذلك نهر أعطانيه الله‏)‏ وفي صحيح مسلم من طريق المختار بن فلفل عن أنس‏:‏ بينما نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ غفا إغفاءة ثم رفع رأسه متبسماً فقلنا‏:‏ ما أضحكك يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ نزلت على سورة، فقرأ ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر‏}‏ إلى آخرها ثم قال‏:‏ اتدرون ما الكوثر‏؟‏ قلنا الله ورسوله أعلم، قال‏:‏ فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة الحديث ‏(‏يعني في الجنة‏)‏ هذا قول الراوي‏.‏ وروى الحاكم عن أنس مرفوعاً‏:‏ الكوثر نهر أعطانيه الله في الجنة ترابه مسك أبيض من اللبن وأحلى من العسل الحديث ‏(‏فيه‏)‏ أي في ذلك النهر أو في أطرافه ‏(‏طير أعناقها كأعناق الجزر‏)‏ بضم الجيم والزاي جمع جزور وهو البعير ‏(‏إن هذه‏)‏ أي الطير فإنه يذكر ويؤنث ‏(‏لناعمة‏)‏ أي سمان مترفة كذا في النهاية ‏(‏أكلتها‏)‏ ضبط في النسخة الأحمدية بفتح الهمزة والكاف واللام وبمد الهمزة وكسر الكاف‏.‏ فعلى الأول جمع آكل اسم فاعل كطلبه جمع طالب‏.‏ والمعنى من يأكلها، وعلى الثاني مؤنث أكل وصيغة الواحد المؤنث قد تستعمل للجماعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ وأخرجه أحمد بإسناد جيد ولفظه‏:‏ إن طير الجنة كأمثال البخت ترعى في شجر الجنة، فقال أبو بكر يا رسول الله إن هذه الطير ناعمة فقال‏:‏ أكلتها أنعم منها قالها ثلاثاً وأني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها كذا في الترغيب‏.‏

1600- باب ما جَاءَ فِي صِفَةِ خَيْلِ الْجَنّة

قال في القاموس‏:‏ الخيل جماعة الأفراس لا واحد له أو واحده خائل لأنه يختال انتهى

2599- حَدّثنا عُبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرَحْمنِ قال‏:‏ أخبرنا عَاصِمُ بنُ عليٍ، أخبرنا المَسْعُودِيّ عن عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عن سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيُدَةً، عن أَبِيهِ‏:‏ ‏"‏أَنّ رَجُلاً سَأَلَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُول الله هَلْ فِي الْجَنّةِ مِنْ خَيْلٍ‏؟‏ قَالَ‏:‏ ‏"‏إِنْ أَدْخَلَكَ الله الْجَنّةَ فَلاَ تَشَاءُ أَنْ تُحْمَلَ فِيهَا عَلَى فَرَسٍ مِنْ يَا قُوتِةٍ حَمْرَاءَ تَطِيرُ بِكَ فِي الْجَنّةِ حَيْثُ شِئْتَ إِلاّ فَعَلْتَ‏"‏‏.‏ قَالَ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسولَ الله هَلْ في الْجَنّةِ مِنْ إِبْلٍ‏؟‏ قَالَ‏:‏ فَلَمْ يَقُلْ لَهُ مثل مَا قَالَ لصَاحِبِهِ فَقَالَ‏:‏ ‏"‏إِنْ يُدْخِلْكَ الله الْجَنّةَ، يَكَنْ لَكَ فِيهَا مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ ولذّتْ عَيْنُكَ‏"‏‏.‏

2600- حدّثنا سُوَيْدُ بن نصر، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ، عن سُفْيَانَ عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مرثدٍ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ سَابِطٍ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ‏.‏ وَهَذَا أَصَحّ حَدِيثِ المَسْعُودِيّ‏.‏

2601- حدّثنا مُحمّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ بنُ سَمُرَةَ الأَحْمَسِيّ، حدثنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن وَاصِلِ هو ابن السّائِبِ، عن أَبي سَوْرَةَ عن أَبي أَيّوبَ قَالَ‏:‏ أَتَى النبيّ صلى الله عليه وسلم أَعْرَابيٌ‏.‏ فَقَالَ يَا رَسُولَ الله‏:‏ إِنّي أُحِبّ الْخَيْلَ أَفِي الْجَنّةِ خَيْلٌ‏؟‏ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إِنْ أُدْخِلْتَ الْجَنّةَ أُتِيتَ بِفَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ لَهُ جَنَاحَانِ فَحُمِلْتَ عَلَيْهِ، ثُمْ طَارَ بِكَ حَيْثُ شِئْتَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيّ وَلاَ نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيّوبَ إِلاّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ‏.‏ وَأَبُو سَوْرَةَ هُوَ ابنُ أَخِي أَبِي أَيّوبَ يُضَعّفُ فِي الْحَدِيثِ ضَعّفَهُ يَحْيَى بنُ مُعِينٍ جِداً قال‏:‏ وَسَمِعْتُ مُحمّدَ بنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ‏:‏ أَبُو سَوْرَةَ هَذَا مُنَكَرُ الْحَدِيثِ يَرْوِي مَنَاكِيرَ عن أَبِي أَيّوبَ لاَ يُتَابَعُ عَلَيْهَا‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا عاصم بن علي‏)‏ بن عاصم بن صهيب الواسطي أو الحين التيمي مولاهم صدوق ربما وهم من التاسعة ‏(‏عن سليمان بن بريدة‏)‏ بن الحصيب الأسلمي المروزي قاضيها ثقة من الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن الله‏)‏ بكسر الهمزة وسكون النون على أن إن شرطية ثم كسر للالتقاء‏.‏ قال الطيبي‏:‏ الله مرفوع بفعل يفسره ما بعده وهو ‏(‏أدخلك الجنة‏)‏ ولا يجوز رفعه على الابتداء لوقوعه بعد حرف الشرط‏.‏ وقوله ‏(‏فلا تشاء أن تحمل فيها‏)‏ جواب للشرط أي فلا تشاء الحمل في الجنة ‏(‏على فرس من ياقوته حمراء تطير‏)‏ بصيغة المؤنث والضمير يرجع إلى فرس‏.‏ قال في القاموس‏:‏ الفرس للذكر والأنثى ‏(‏حيث شئت‏)‏ أي طيرانه بك ‏(‏إلا فعلت‏)‏ لا يوجد هذا اللفظ في بعض نسخ الترمذي‏.‏ وأورد صاحب المشكاة هذا الحديث نقلا عن الترمذي مع هذا اللفظ‏.‏ قال القاري في شرح قوله‏:‏ إلا فعلت بصيغة المخاطب المذكر المعلوم‏.‏ والمعنى إن تشاء تفعله‏.‏ وفي نسخة يعني من المشكاة على بناء المجهول أي حملت عليها وركبت، وفي أخرى بتاء التأنيث الساكنة فالضمير للفرس أي حملتك‏.‏ قال القاضي رحمه الله‏:‏ تقدير الكلام إن أدخلك الجنة الله فلا تشاء أن تحمل على فرس كذلك إلا حملت عليه‏.‏ والمعنى أنه ما من شيء تشتهيه الأنفس إلا وتجده في الجنة كيف شاءت حتى لو اشتهيت أن تركب فرساً على هذه الصفة لوجدته وتمكنته منه‏.‏ ويحتمل أن يكون المراد‏:‏ إن أدخلك الله الجنة فلا تشاء أن يكون لك مركب من ياقوته حمراء يطير بك حيث شئت ولا ترضى به فتطلب فرساً من جنس ما تجده في الدنيا حقيقة وصفه‏.‏ والمعنى‏:‏ فيكون لك من المراكب ما يغيك عن الفرس المعهود‏.‏ ويدل على هذا ما جاء في الرواية الأخرى وهو‏:‏ إن أدخلت الجنة أتيت بفرس من ياقوته له جناحان فحملت عليه‏.‏ ولعله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبين الفرق بين مراكب الجنة ومراكب الدنيا وما بينهما من التفاوت على التصوير والتمثيل مثل فرس الجنة في جوهره بما هو عندنا أثبت الجواهر وأدوسها وجوداً وأنصعها لوناً وأصفاها جوهراً وفي شدة حركته وسرعة أنتقاله بالطير، وأكد ذلك في الرواية الأخرى بقوله جناحان‏.‏ قال الطيبي‏:‏ الوجه الأول ذهب إليه الشيخ التورشتي، وتقدير قوله إلا حملت يقتضي أن يروي قوله إلا فعلت على بناء المفعول فإنه استثناء مفرغ أي لا تكون بمطوبك إلا مسعفاً إذا ترك على بناء الفاعل كان التقدير فلا تكون بمطلوبك إلا فائزاً، والوجه الثاني من الوجهين السابقين قريب من أسلوب الحكيم، فإن الرجل سأل عن الفرس المتعارف في الدنيا فأجابه صلى الله عليه وسلم بما في الجنة أي اترك ما طلبته، فإنك مستغن عنه بهذا المركب الموصوف انتهى ‏(‏قال‏)‏ أي بريدة ‏(‏فلم يقل له ما قال لصاحبه‏)‏ أي مثل مقوله لصاحبه كما سبق بل أجابه مختصراً 2ب فقال إن يدخلك الله الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك‏)‏ أي وجدت عينك لذيذة‏.‏ قال في القاموس لذه وبه لذاذاً وجده لذيذاً ولذاذة انتهى‏.‏ وفيه إشارة إلى قوله تعالى ‏"‏وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين‏"‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا أصح من حديث المسعودي‏)‏ أي حديث سفيان وهو الثوري عن علقمة بن مرثد عن عبد الرحمن بن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً أصح من حديث المسعودي عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه متصلاً، وهذا لأن سفيان أوثق وأتقن من المسعودي‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي‏)‏ بمهملتين أبو جعفر السراج ثقة من العاشرة ‏(‏عن واصل بن السائب‏)‏ الرقاشي أبي يحيحى البصري ضعيف من السادسة ‏(‏عن أبي سورة‏)‏ بفتح أوله وسكون الواو بعدها راء الأنصاري ابن أخي أبي أيوب ضعيف من الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إني أحب الخيل‏)‏ أي في الدنيا ‏(‏إن أدخلت‏)‏ بالبناء للمفعول وفتح التاء ‏(‏الجنة‏)‏ أي إن أدخلك الله تعالى إياها ‏(‏أتيت‏)‏ أي جئت ‏(‏بفرس من ياقوته‏)‏ قال القاري‏:‏ قيل أراد الجنس المعهود مخلوقاً من أنفس الجواهر وقيل إن هناك مركباً من جنس آخر يغنيك عن المعهود كما مر، والأخير أظهر لقوله ‏(‏له جناحان‏)‏ يطير بهما كالطائر ‏(‏فحملت عليه‏)‏ بصيغة المجهول أي اركبته والمركب الملائكة ‏(‏ثم طار‏)‏ أي ذلك الفرس ‏(‏بك حيث شئت‏)‏ ومقصود الحديث أن ما من شيء تشتهيه النفس في الجنة إلا تجده فيها حتى لو اشتهى أن يركب فرساً وجده بهذه الصفة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث ليس إسناده بالقوس‏)‏ لأن في سنده واصل بن السائب وأبا سورة وهما ضعيفان كما عرفت‏.‏

1601- باب ما جَاءَ فِي سِنّ أَهْلِ الْجَنّة

2602- حَدّثنا أَبُو هُرَيْرَةَ مُحمّدُ بنُ فِرَاسٍ البَصْرِيّ، أَخْبَرنَا أَبُو دَاوُدَ، أَخْبَرنَا عِمْرَانُ أَبُو العُوّامِ عن قَتَادَةَ عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بَنِ غَنْمٍ عَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ ‏"‏يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنّةِ الْجَنّةَ جُرْداً مُرْداً مُكَحّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلاَثِينَ أَوْ ثَلاَثِ وَثَلاَثِينَ سَنَةً‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ قَتَادَةَ رَوَوْا هَذَا عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلاً وَلَمْ يُسْنِدُوه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا أبو داود‏)‏ هو الطيالسي ‏(‏أخبرنا عمران ابن العوام‏)‏ القطان البصري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يدخل أهل الجنة الجنة جرداً مرداً مكحلين‏)‏ أي خلقة ‏(‏أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين سنة‏)‏ أو للشك من الراوي، وقد وقع في حديث أبي هريرة عند أحمد وابن أبي الدنيا والطبراني والبيهقي أبناء ثلاث وثلاثين بالجزم، وكذا في حديث المقدام عند البيهقي بإسناد حسن على ما في الترغيب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه أحمد في مسنده، وأخرج أيضاً الرواية المرسلة التي أشار إليها الترمذي بعد هذا‏.‏

1602- باب مَا جَاءَ في كمْ صَفّ أَهْلُ الْجَنّة

2603- حَدّثنا حُسَيْنُ بنُ يَزِيدَ الطَحّانُ الكُوفيّ، حدثنَا مُحمّدُ بنُ فُضَيْلٍ، عن ضِرَارِ بنِ مُرّةَ، عن مُحَارِبِ بن دِثَارٍ، عن ابنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أَهْلُ الْجَنّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍ‏:‏ ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الأُمّةِ، وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ الأُمَمِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ‏.‏ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عن عَلْقَمَةَ بنِ مرثدٍ عن سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاً، وَمِنْهُمْ مَنْ قالَ عن سُلَيْمَانُ بنُ بُرَيْدَةَ عن أَبِيهِ‏.‏ وَحَدِيثُ أَبِي سِنَانٍ عَنْ مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ حَسَنٌ‏.‏ وَأَبُو سِنَانٍ اسْمُهُ ضِرَارُ بنُ مُرّةَ‏.‏ وَأَبُو سِنَانَ الشّيْانِيّ اسْمُهُ سَعِيدُ بنُ سِنَانٍ وَهُوَ بَصْريّ‏.‏ وَأَبُو سِنَانٍ الشّامِيّ اسْمُهُ عِيسَى بنُ سِنَانٍ هُوَ القَسْمَلِيّ‏.‏

2604- حدّثنا مَحمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا أَبُو دَاودَ، أَنْبَانَا شُعْبَةُ عن أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ سَمِعْتُ عَمْرَو بنُ مَيْمُونِ يُحَدّثُ عن عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ قَالَ‏:‏ كُنّا مَعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم في قُبّةٍ نَحْواً مِنْ أَرْبَعِينَ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، ‏"‏أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنّةِ‏؟‏ قالُوا‏:‏ نَعَمْ، قَالَ‏:‏ أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثُ أَهْلِ الْجَنّةِ‏؟‏ قَالُوا‏:‏ نَعَمْ، قَالَ‏:‏ أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنّةَ‏؟‏ إِنّ الْجَنّةَ لاَ يَدْخُلُهَا إِلاّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ مَا أَنْتُمْ في الشّرْكِ إِلاّ كَالشّعْرَةِ البَيْضَاءِ في جِلْدِ الثّوْرِ الأَسْوَدِ أَوْ كَالشّعْرَةِ السّوْداءِ في جِلْدِ الثّوْرِ الأَحْمَر‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

وفي البابِ عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا حسين بن يزيد‏)‏ بن يحيى الطحان الأنصاري الكوفي لين الحديث من العاشرة ‏(‏عن ضرار بن مرة‏)‏ الكوفي كنيته أبو سنان الشيبان الأكبر، ثقة ثبت من السادسة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أهل الجنة عشرون ومائة صف‏)‏ أي قدرها أو صوروا صفوفاً ‏(‏ثمانون‏)‏ أي صفاً ‏(‏منها‏)‏ أي من جملة العدد ‏(‏من هذه الأمة‏)‏ أي كائنون من هذه الأمة ‏(‏وأربعون‏)‏ أي صفاً ‏(‏عن سائر الأمم‏)‏ والمقصود بيان تكثير هذه الأمة وأنهم ثلثان في القسمة‏.‏ قال الطيبي‏:‏ فإن قلت كيف التوفيق بين هذا وبين ما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏والذي نفسي بيده أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة‏"‏ فكبرناد فقال صلى الله عليه وسلم أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبرنا فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، قلت‏:‏ يحتمل أن يكون الثمانون صفاً مساوياً في العدد للأربعين صفاً وأن يكونوا كما زاد على الربع والثلث يزيد على النصف كرامة له صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال الشيخ عبد الحق رحمه الله في اللمعات‏:‏ لا ينافي هذا قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة لأنه يحتمل أن يكون رجاؤه صلى الله عليه وسلم ذلك ثم زيد وبشر من عند الله بالزيادة بعد ذلك‏.‏ وأما قول الطيبي‏:‏ يحتمل أن يكون الثمانون صفاً مساوياً لأربعين صفاً فبعيد، لأن الظاهر من قوله صلى الله عليه وسلم أهل الجنة عشرون ومائة صف أن يكون الصفوف متساوية والله أعلم انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ وأخرجه أحمد وابن ماجه والدارمي وابن حبان والحاكم والبيهقي في كتاب البعث والنشور‏.‏

قال الحافظ‏:‏ وله شاهد من حديث ابن مسعود بنحوه واتم منه أخرجه الطبراني‏.‏ قلت‏:‏ وله شاهدان آخران من حديث ابن عباس ومن حديث أبي موسى أخرجهما الطبراني والحاكم كما في الجامع الصغير‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏مرسل‏)‏ أي هذا مرسل ‏(‏ومنهم‏)‏ أي، من أصحاب علقمة بن مرتد ‏(‏وأبو سنان اسمه ضرار بن مرة‏)‏ تقدم ترجمته آنفاً ‏(‏وأبو سنان الشيباني اسمه سعيد بن سنان‏)‏ قال في التقريب‏:‏ سعيد بن سنان البرجمي أبو سنان الشيباني الأصغر الكوفي نزيل الري، صدوق له أوهام من السادسة ‏(‏وهو بصري‏)‏ كذا قال الترمذي وفي التقريب وتهذيب التهذيب والخلاصة أنه كوفي فتأمل ‏(‏وأبو سنان الشامي الخ‏)‏ قال في التقريب‏:‏ عيسى بن سنان الخنفي أبو سنان القسملي الفلسطيني نزيل البصرة لين الحديث من السادسة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في قبة‏)‏ وفي رواية اسند رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهره بمنى إلى قبة من أدم ‏(‏أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة‏)‏ قال ابن التين ذكره يلفظ الاستفهام لإرادة تقرير البشارة بذلك، وذكره بالتدريج ليكون أعظم لسرورهم ‏(‏قالو نعم‏)‏ وفي رواية لمسلم‏:‏ فكبرنا في الموضعين‏.‏ وفي حديث أبي سعيد عند البخاري فحمدنا الله وكبرنا ‏(‏أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة‏)‏ وفي رواية البخاري‏:‏ قال والذي نفس محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، قال الحافظ‏:‏ وزاد الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في نحو حديث أبي سعيد وإني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة بل أرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة ولا تصح هذه الزيادة لأن الكلبي رواه ثم ذكر عدة روايات توافق رواية الكلبي ثم قال‏:‏ فكأنه صلى الله عليه وسلم لما رجا رجمة ربه أن تكون أمته نصف أهل الجنة أعطاء ما ارتجاه مزاده، وهو نجو قوله تعالى‏:‏ ‏(‏ولسوف يقطيك ربك فترضي‏)‏ انتهى ‏(‏إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة‏)‏ وفي رواية‏:‏ وسأحدثكم بقلة المسلمين في الكفار يوم القيامة‏.‏ وفي رواية‏:‏ ما أنتم فيما سواكم من الأمم ‏(‏ما أنتم في الشرك‏)‏ وفي رواية البخاري في أهل الشرك ‏(‏إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر‏)‏ قال القاري‏:‏ الظاهر أن أو للتخير في التصبير وتحتمل الشك انتهى‏.‏ قال ابن التين‏:‏ أطلق الشعرة وليس المراد حقيقة الوحدة لأنه لا يكون ثور ليس في جلده غير شعره واحدة من غير لونه انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عمران بن حصين وأبي سعيد الخدري‏)‏ أما حديث عمران بن حصين فأخرجه الترمذي في تفسير سورة الحج، وأما حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه الشيخان والنسائي‏.‏